السعيد شنوقة
310
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الحقيقة ، ومثله قوله عز وجل السابق ، هذا أولا . أما ثانيا فقراءة الجمهور رفع لفظ ، الجلالة ( الله ) على أن الله تعالى هو الذي كلم موسى على غير قراءة النخعي وابن وثاب ، وتكليما : مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز كما قال الفراء : إن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ، ولكن لا تحققه بالمصدر ؛ فإذا حقق وأكّد بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام « 1 » . وبالتالي يدل على بطلان قول القائلين من المعتزلة : خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى - عليه الصلاة والسلام - فكلام الله تعالى حسبهم منزّل على رسول الله ليس بمخلوق أو محدث « 2 » . والمعتزلة لم ينفوا الصفات القديمة إذا كان القصد بها عين الذات ، وإنما أنكروا أن تكون الصفات أشياء أو ذوات قديمة قائمة وراء الذات لما فيه من تعدد القدماء مستدلّين بأن الصفات لو كانت زائدة على الذات فإمّا أن تكون محدثة ؛ فيلزم قيام الحوادث بذاته عز وجل . وإما أن تكون قديمة ؛ فيلزم أن تشارك الذات في القدم والوجوب بالذات . وهذا يؤدي إلى تعدد القدماء . وقد كفر النصارى لقولهم بقدماء ثلاثة « 3 » ؛ فكيف بمن أثبت أكثر من ذلك ؟ ثم قالوا : إن من أثبت الكلام قائما بذات الله عز وجل إما أن يثبته حالا في الله تعالى ، والله سبحانه يستحيل
--> ( 1 ) انظر ابن الجوزي ( ت 597 ه ) ، زاد المسير في علم التفسير ، ج 2 ، ص ، 256 تفسير البغوي ( ت 616 ه ) ، معالم التنزيل ، ج 1 ، ص 500 ، والعكبري ( ت 616 ه ) ، التبيان في إعراب القرآن ، تحقيق علي محمد البجاوي ، إحياء الكتب العربية ( د . ت ) ، ج 1 ، ص ، 203 وكذا المقدسي ( ت 620 ه ) ، حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة ، ج 1 ، ص ، 40 وتفسير القرطبي ( ت 671 ه ) : الجامع لأحكام القرآن ، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني ، ط 2 ، ج 1 ، ص ، 250 وكذا تفسير أبي السعود ( ت 951 ه ) . إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ، ج 2 ، ص ، 256 والشوكاني ( ت 1250 ه ) ، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ، ج 1 ، ص 538 . ( 2 ) انظر تفسير القرطبي ، ج 6 ، ص ، 18 وكذا ابن قايماز الذهبي ( ت 748 ه ) ؛ معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار ، تحقيق عواد معروف وآخرون ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1404 ه ، ط 1 ، ج 1 ، ص 49 . ( 3 ) قال النصارى : الله ثالث ثلاثة كان عليه جمهورهم قبل انقسامهم إلى اليعقوبية والملكانية والنسطورية . وهم قالوا الإله القديم جوهر واحد يعمّ ثلاثة أقانيم أبا والدا غير مولود وابنا مولود غير والد وزوجا متتبعة بينهما . وقد كذبهم الله تعالى بقوله : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ [ المائدة : 73 ] . وقوله : إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [ النساء : 171 ] . وغيرهما من الآيات . انظر تفسير الطبري ، ج 6 ، ص ، 313 قال القرطبي : هم مجمعون على التثليث ، وبأن الله جوهر واحد له ثلاثة أقانيم ، وجعلوا كل أقنوم إليها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم ، وقد يعبرون عنها بالأب والابن وروح القدس ؛ -